محمد متولي الشعراوي

4245

تفسير الشعراوى

العودة إلى مثل هذه الملة لون من الكذب المتعمد على اللّه . لأن الكذب أن تقول كلاما غير واقع ، وتعلن قضية غير حقيقية إن أنت قلتها على مقتضى علمك فهذا مطلق كذب . لكن إن كنت عارفا بالحقيقة ثم قلت غيرها فهذا افتراء واختلاق وكذب . والذين آمنوا مع شعيب عليه السلام يعلمون أن الملة القديمة ملة باطلة ، وهم قد شهدوا مع شعيب حلاوة الإيمان باللّه ؛ لذلك رفضوا الكذب المتعمد على اللّه . ويقولون بعد ذلك : بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ( من الآية 89 سورة الأعراف ) قد عرفوا أن التكليف اختيار وهم قد اختاروا الإيمان ، وأقروا وأكدوا إيمانهم بأنه سبحانه له طلاقة القدرة ، فقالوا : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ . فمشيئته سبحانه فوق كل مشيئة . ألم يقل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء » « 1 » . وألم يقل سيدنا إبراهيم وهو أبو الأنبياء والرسل : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( من الآية 35 سورة إبراهيم ) لم يقل : واجنبنا . بل قالها واضحة ودعا ربّه أن يبعده وينأى به وببنيه أن يعبدوا الأصنام ، لأنه يعلم طلاقة قدرته سبحانه . إذن فمن آمنوا مع شعيب احترموا طلاقة القدرة في الحق ؛ لذلك قالوا : وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا ( من الآية 89 سورة الأعراف ) ولكن اللّه لا يشاء لمعصوم أن يعود ، وسبحانه يهدى من آمن بهداية الدلالة ويمده بالمزيد من هداية المعونة إلى الطريق المستقيم .

--> ( 1 ) رواه أحمد ، ورواه مسلم عن ابن عمر .